العربي التقدمي _ الحلم العربي ...لماذا يظل حلماً؟! ... بقلم: د.جاسم محمد زكريـا

Bookmark and Share الحلم العربي ...لماذا يظل حلماً؟! ... بقلم: د.جاسم محمد زكريـا 

مشاهدة:149تعليقات:0



الحلم العربي ...لماذا يظل حلماً؟! ... بقلم: د.جاسم محمد زكريـا

 

النظام العربي ـ منذ منتصف القرن الماضي ـ توتراً كامناً، لكنه دائم بين الدعوة للوحدة العربية، والمصالح الخاصة بكل راسخةً في أدائه أمام الأزمات التي عصفت به خلال نصف القرن الأخير؛ فضلاً عن انعكاس تلك الازدواجية على واحدةٍ من الدول التي تكونه، مما أضفى على هذا النظام ـ فضلاً عن نقائصه ـ تناقضاً جديداً، جعل الازدواجية صفةً السياسات العربية منفردة ومجتمعة، انعكست أيضاً على آليات معالجة الأزمات التي واجهها، ولذلك اتسمت بالقصور حيناً، وبالتحكم حيناً آخر، لاسيما في الأمور المتعلقة بقضية فلسطين.
ولعلنا لا نعدو الحقيقة، إذا قررنا بأن ازدواجية النظام العربي بين ما هو قطري وما هو قومي؛ أي بين القومية العربية ووطنية الدولة القطرية؛ هي أهم ما يميزه عن باقي الأنظمة الإقليمية مثل النظام الأفريقي، أو النظام الأمريكي ـ اللاتيني، بل حتى النظام الأوربي؛ وتتجلى تناقضات النظام الرسمي العربي؛ في مرتكزاتٍ كثيرةٍ لعلّ من أهمها:
1- الازدواجية: أدت ازدواجية المواقف في مكونات النظام الرسمي العربي إلى ابتكار مقاييس خاصة لأداء الأنظمة السياسية لأقطاره، فأصبحت جدلية المصلحة بين الدولة والأمة معياراً فاصلاً في الحكم على أدائها، وبالتالي قياس أعمال ممثلي الدول دوماً بمقياس الملائمة مع مصالح الجماعة العربية، إذ أن اختلاف وجهات النظر في القضايا المركزية، كالقضية الفلسطينية، لا يمكن تبريره بأولوية مصلحة الدولة القطرية؛ وقد تغير الوضع الآن لكنّ الازدواجية بقيت...
2- غياب الإطار المؤسسي: إن غياب الإطار المؤسسي الفعال على الصعيد القومي، وفي خضم تناقضات النظام الإقليمي العربي ولما يتمتع به من خصائص، أودت به إلى معترك التنافس على القيادة الإقليمية؛ على الرغم من جعل القضايا الرئيسة للأمة العربية إطار مشروعية لكثيرٍ من الترتيبات الإقليمية داخل النظام العربي، بل إن تلك القضايا ـ لاسيما فلسطين ـ منحت شرعية الاستمرار للنظام ذاته بالتزام الدفاع عنها.
ولا مراء في أن "أحد أسباب الخلل الجوهري في العلاقات العربية هو أنها لا تنطلق من معطياتٍ موضوعية وتفكير علمي، وإنما تنطلق من علاقاتٍ وعواطفٍ وأمزجة فردية تصفو اليوم فيصفو كل شيء وتتعكر غداً، فإذا بكل شيءٍ أسود". وبالتالي فلا يمكن أن تستقر العلاقات فيما بينها استقراراً؛ يحمل معنى الاستمرارية وفي هذا قول الأستاذ محمد حسنين هيكل:" إن أبسط قواعد إدارة شؤون الدول، أن تكون المباحثات مسجلة وموقعة، ولكن في الدول العربية تمضي السياسة العامة للدولة على نظام إدارة الشؤون الشخصية"، ويساعد على سلامة العلاقات وقيامها على أساسٍ متينٍ يمكن دراسته وتوقع أبعاده وكيفية مساره؛.
3- داء المحاور: منذ النشأة الأولى، نهض النظام الإقليمي العربي مصاباً بداء المحاور، إذ أنه نسج على منوال القطبية الذي كان سائداً في الحقبة التالية على قيام منظومة الأمم المتحدة؛ وكانت البداية عند إرساء الدعائم لإنشاء جامعة الدول العربية، حيث كان الصراع الخفي والمعلن محتدماً بين المحور الهاشمي "العراق والأردن" ومحور "السعودية ومصر"، إذ أن الخلافات بين الأسرة الهاشمية والأسرة السعودية، لم يكن قد خفت أوارها، فالأسرة الأولى ظلت تسعى حثيثاً لاسترداد مكانتها، التي خسرتها على مراحل متعددة، ابتداءً من ضياع حلم "ملك العرب" الذي عمل لأجله مؤسسها الشريف حسين بن علي، مروراً بضياع "المملكة " في سوريا التي سلبها الفرنسيون من الملك "فيصل بن الحسين" عشية غزوهم دمشق، وصولاً إلى مملكة العراق التي آلت إليه بعد مغادرة سوريا، ومن هنا أصبحت العراق دولة ارتكاز لتحقيق الحلم باسترداد "الملك الهاشمي"، لاسيما مع وجود إمارة شرق الأردن ـ التي أصبحت مملكة ـ في حيازتهم، إذ كان على رأسها الملك "عبد الله بن الحسين".
ومع وصول عرش العراق إلى الملك فيصل الثاني، وبوجود ساسة دهاة أمثال نوري السعيد وحافظ الجمالي والأمير الوصي على العرش "عبد الإله"، وحلول الملك "الحسين بن طلال" على عرش الأردن، تعززت فكرة المملكة الهاشمية بمشروع الوحدة بين القطرين.
أما مصر والسعودية، فقد وجدا معاً في محورٍ مقابلٍ للمحور الهاشمي، الذي انتهى بتصفية نظام الحكم الملكي في العراق عام 1958، كما استطاعت حرب اليمن عام 1962 تصفية المحور الآخر، حينما وقفت مصر والسعودية على طرفي نقيضٍ من تلك الحرب.
وانتقلت القطبية العربية إلى نموذجٍ جديدٍ بعد تصدع النموذج السابق، فنهضت على أساس محور الدول التقدمية "بلاد الثورة"، ومحور الدول الرجعية "بلاد الثروة"، وظل هذا النموذج سائداً حتى توارى أواخر السبعينات، ليفسح الطريق لنمطٍ جديدٍ من الأنماط التي دأب على ابتكارها النظام الإقليمي العربي، ألا وهو محور دول الرفض (( جبهة الصمود والتصدي)) ودول الصمت والاعتدال والدولة الخارجة، وذلك على إثر توقيع اتفاقيات "مخيم داود" بين مصر والكيان الصهيوني.
4 ـ الارتجال وانعدام الثقة: في كل مرةٍ، كان التنظيم الإقليمي العربي ينتقل من مرحلةٍ إلى أخرى، كان منطق المحاور، يجد الإطار القانوني الملائم الذي يتقمصه، وإذا كان المقام لا يسمح بعرض مشاريع الوحدة والاتحاد التي مر بها النظام الإقليمي العربي، فإننا نستذكر تلك التنظيمات، التي نهضت تجسيداً لفكرة استقطاب ذاك النظام وفقاً لمنطلق المحاور ذاته:
أ‌- مجلس التعاون الخليجي العربي، الذي استبعد العراق من عضويته ويضم باقي دول الخليج.
ب‌- اتحاد المغرب العربي، ويضم الجزائر وتونس والمغرب وليبيا وموريتانيا.
ج ـ مجلس التعاون العربي في 16 شباط/ فبراير عام 1986: فوجئ الوطن العربي بأنه (( بعد اجتماعٍ دام حوالي أربع ساعات بين الزعماء الأربعة الرئيس حسني مبارك والرئيس صدام حسين و الملك حسين والرئيس علي عبد الله صالح، تم التوقيع على اتفاقية تأسيس مجلس التعاون العربي في العاصمة العراقية بغداد))، وأن هذا المجلس يهدف إلى تحقيق أعلى مستويات التنسيق والتعاون والتكامل بين الدول الأعضاء والسعي إلى قيام سوق مشتركة، وصولاً إلى السوق العربية والوحدة الاقتصادية. وفي تعليقه على هذا المجلس، قال أستاذنا الدكتور عبد العزيز سرحان : " كما نشأ المجلس فجأة، فقد انهار بالمثل على غرار عمارة الموت في هليوبوليس يوم الاثنين الأسود 12/10/1992، عندما حدث الزلزال، فقد أدى زلزال حرب الخليج1990 إلى انهيار بنيان المجلس، ولا يعرف أحد بالضبط؛ هل مات أم مازالت به حياة كضحايا الزلزال في ساعة حدوثه، بل إننا نجد من يصف المجلس بأنه "مجلس الخيانة والتآمر"!!.
د ـ دول إعلان دمشق: وهو الإعلان الذي وقعه في دمشق بتاريخ 6/3/1991 ممثلو دول الخليج العربي ومصر وسوريا، ومما جاء فيه:" العمل على بناء نظام عربي جديد من أجل تعزيز العمل المشترك".
والحقيقة أن هذه "التنظيمات" هي في حالة سبات قد تنهض أحياناً لحاجةٍ ما، لكنها ما تفتأ لأن تعود إلى الركود، بل ربما تنتهي فيلفها النسيان، ولاشك أن مرد ذلك إلى الارتجال وعدم الجدية في تأسيسها، الذي يأتي بقرارٍ فوقي وربما ينتهي بقرارٍ إعلامي.
ولعل فصل المقال في هذا الشأن قول أستاذنا الدكتور عبد العزيز سرحان، " إن منظمة دولية تنشأ هكذا بدون إعداد وبدون إشراك الشعوب لا يمكن أن تعمر، وأمامنا تجارب أوربـا، حيث تجري الدراسات لسنوات، ويؤخذ رأي شعوبها ومفكريها وعلمائها… كما أن حكوماتها مسؤولة أمام شعوبها، ومجالس نيابية لا تتساهل في القضايا المصيرية، ووسائل إعلام جادة، وأموال عامة لا تبذير فيها ولا إسراف، وعلاقات دولية معلنة وصريحة، ومنظمات دولية مشتركة يسيرها موظفون معيار اختيارهم الوحيد الكفاءة والإخلاص".
إن الحقيقة التي لا مراء فيها؛ أن النظام العربي قد عرف منذ نشأته ظاهرة الصراع بين وحداته، وربما لا يمكن رصد أول مؤشرٍ على هذه الظاهرة. ولكن الملاحظ أن هذه الظاهرة استمرت داخل هذا النظام على نحو مزمن، وإن خفت حدتها أحياناً في مواجهة بعض التهديدات الخارجية، كما حدث بالنسبة لتخفيف حدة الصراع حول الثورة اليمنية التي تفجرت في عام 1962، والنزاع المغربي ـ الجزائري الذي انفجر في شكل مواجهات مسلحة في عام 1963....وكما حدث في تخفيف حدة الخلاف المصري ـ العربي بشأن معاهدة الصلح بين مصر والكيان الصهيوني، وكذلك في تخفيف حدة ما كان قد بقى من خلافات عربية ـ عربية بسبب أزمة الخليج (1990ـ 1991)؛ وكذلك بالنجاح في عقد قمةٍ عربيةٍ في عام 1996، ثم بالتوافق في استمرارية مؤسسة القمة ودوريتها، ولكن...الحلم مازال بعيداً

اكتب تعليق طباعة بواسطة :Admin




بإمكانك إزالة التعليقات غير اللائقة أو البعيدة عن موضوع الخبر عن طريق الضغط على أيقونة (ابلغ عن تعليق غير لائق) وسيتم حذف التعليق أتوماتيكيا إذا أبلغ عنه عدد معين من الزوار


متواجد حاليا: 5 زائر
[0 ] عدد الاعضاء
[53] عدد المواضيع
[0] عدد الردود
 بحث



استضافة وتصميم بابل للحاسبات والاتصالات

الرئيسية

تاريخ العرب

بيانات

بحوث ودراسات

المقالات

الأخبار

جميع الحقوق محفوظة -العربي التقدمي