احتلال العراق وإستراتيجية الفوضى والتفكيك ... بقلم : د. غازي فيصل حسين
31/4/2010
بعد قصف العراق عام 1991، جاء إعلان جورج بوش عن انبثاق "نظام عالمي جديد" ليدشن عصرا للهيمنة الأميركية وإستراتيجية لتفكيك الدول، حيث تبنت مؤسسات السياسة الخارجية والصحافة والإعلام ومراكز البحوث فكرة إلغاء سيادة الدول عبر التمهيد لفرض نموذج التحديث الغربي على العالم وتصفية حرية واستقلال الدول. وتنبأ دعاة فكرة أللادولة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، باقتراب (نهاية التاريخ) حيث تندمج الأمم والشعوب في حياة استهلاكية رأسمالية معولمة.
ثم كشفت الامبريالية الأميركية، بعد التاسع من نيسان - أبريل عام 2003 عن حقيقة ادعاءاتها الزائفة والمضللة في بناء الديمقراطية والدفاع عن حقوق الإنسان، لتغطية أطماعها الحقيقية في الاستيلاء على مكامن الثروة النفطية والمعدنية. فبعد أن قامت الولايات المتحدة الأميركية منذ عام 1990-1991 بفرض حرب مدمرة وحرب استنزاف وحصار اقتصادي وسياسي وعسكري شامل على الشعب العراقي أدى إلى تدمير البنية التحتية والقدرات الدفاعية للبلاد وسبب بإبادة أكثر من مليون من الأطفال والنساء والشيوخ. مما مهد وبفعل التطور التكنولوجي للحرب الاليكترونية وبمساندة الشركات الاحتكارية للنفط، إعلان احتلال جمهورية العراق البلد المستقل والعضو المؤسس في هيئة الأمم المتحدة، بما يخالف صراحة مبادئ وقواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة ويشكل انتهاكا صارخة لولاية مجلس الأمن الدولي في حفظ السلام والأمن.
لقد كشف احتلال الولايات المتحدة الأميركية للعراق، للرأي العام الدولي وللمنظمات المعنية بالدفاع عن حقوق الإنسان والمناهضة للحرب ولجميع الدول المحبة للسلام والتحرر عن بشاعة حرب الإبادة العنصرية والطائفية التي استخدمت فيها مختلف أنواع الأسلحة المحرمة دوليا كالفسفورية والعنقودية واليورانيوم المنضب، وهي جرائم حرب وإبادة ضد الإنسانية. وخلال السبع سنوات الماضية تم تغيير التركيبة السكانية للعراق من خلال إبادة أكثر من مليوني مواطن عربي من العراق بالقتل المباشر أو عبر إشعال الحرب الطائفية والعرقية التي غذتها الموساد والمخابرات الأميركية وساندتها المليشيات الطائفية مما أدى لتهجير سبعة ملايين من المواطنين في داخل وخارج العراق، لتصبح التركيبة السكانية للعراق المحتل متوافقة مع النسب العرقية والطائفية الواردة في دستور الاحتلال الذي اعد وأعلن في واشنطن منذ عام 2002 من قبل مجموعة تقودهم المخابرات الأميركية والموساد الإسرائيلي الطامعين في السيطرة على كامل احتياطيات الثروة النفطية في منطقة الشرق الأوسط والذي يبلغ 65% من احتياطي النفط العالمي.
فبعد أحداث 11 أيلول- سبتمبر 2001 تبنت الإدارة الأميركية نظرية الحرب الوقائية وشنت في إطارها "الحرب على الإرهاب" التي أدخلت المجتمع العراقي شيئا فشيئا إلى الفوضى والحرب الأهلية الطائفية، ولكن كما قالت صحيفة سبيكتاتور الكندية: إذا اتفقنا أن الولايات المتحدة الأميركية لا يديرها أغبياء "ينبغي على المرء الاستنتاج إن الفوضى والفقر والحرب الأهلية في العالم الإسلامي، ليست نتائج غير مقصودة، بل هي بالضبط أهداف السياسة الأميركية". إن خطة تقسيم العراق عرقيا وطائفيا موجودة قبل احتلاله تطبيقا لإستراتيجية التوسع الصهيوني.
لقد دعا المجلس الأميركي للعلاقات الخارجية منذ 23 تشرين الثاني- نوفمبر 2003 لتفكيك ما اسماه "دولة العراق غير الطبيعية" بحجة تنوعه العرقي والديني والطائفي، وفي إطار ذات التحليل النمطي، اعتبر المحلل السياسي مايكل كلير إن العراق هو "دولة مفبركة من اجل تسهيل الاستيلاء على النفط في المنطقة وان البريطانيين خلقوا مملكة العراق" الخيالية. وبتبنيه منطق الإدارة الأميركية الكاذب للاحتلال، عزا كلير ظهور المقاومة الوطنية بأنها الرغبة في الحصول على حصة في عوائد النفط في التقسيم المستقبلي للبلاد. وما لم يفكر فيه هو إن تكون المقاومة قائمة ليس لأسباب طائفية بل بسبب الروح الوطنية والقومية العراقية والإيمان بحق تقرير المصير واختيار النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي بعيداٌ عن فرض الموديلات الغربية الليبرالية أو نموذج سلطة ولاية الفقيه الثيوقراطية والمبنية على الخرافات المؤسسة على الإيمان بانتظار ظهور الإمام المهدي لإعلان حكومة الله على الأرض وتكفير من لا يؤمن بهذه النظرية.
إستراتيجية تفكيك العراق
بدأ التحضير لتفكيك العراق مباشرة بعد العدوان في عام 1991 مع فرض مناطق حظر الطيران في الشمال والجنوب، وبمعاونة الإعلام الغربي الذي بدأ يتحدث عن البلاد بصفتها ثلاثة أقسام معادية لبعضها البعض. وفي الأيام الأولى للاحتلال عام 2003 بدأت خطوات تنفيذ الخطة المدبرة لتدمير المجتمع العراقي من خلال حملة النهب المنظم للمتاحف (فقدت 170 ألف قطعة) وتدمير الأرشيف الوطني وجميع سجلات المتاحف وحرق المكتبات بعد 2003. إلى جانب التهريب المنظم للآثار من اوروك ونمرود ونينوى ومسجد النبي يونس. ولضمان التعتيم على تدمير الذاكرة العراقية عين بول بريمر الحاكم المدني الأميركي للعراق، الذي حل الجيش والمؤسسات الوطنية المهمة إضافة إلى نهب 9 مليار دولار من عائدات النفط العراقي. وقد شكل الجيش الدمية (العميل) من المليشيات الكردية والطائفية، بهدف إعلان اندلاع حرب أهلية في البلاد، وفي هذه الأثناء بدأ قتلة مجهولون في اغتيال الأكاديميين والعلماء وقادة وضباط الجيش الوطني لتدمير الذاكرة والوعي والعقل.
ومن المؤكد إن مشكلة التحكم بموارد الطاقة، يحتل اليوم أولوية خاصة في إستراتيجية الدول الصناعية الكبرى، فمع اقتراب مشكلة تدني معدلات الإنتاج النفطي العالمي التي تهدد في إضعاف القوة الأميركية، لذا جاءت الذرائع وحملات التضليل التي مهدت لشن الحرب على العراق لتؤكد إستراتيجية الولايات المتحدة الأميركية بعدم السماح ببقاء العراق، الغني باحتياطيات النفط والغاز، دولة مستقلة في أهم بقعة إستراتيجية في العالم. ولكن المقاومة الأسطورية للاحتلال دفعت الإدارة الأميركية إلى اللجوء نحو خطة لتفكيك العراق، بما يتفق مع الأفكار التي اقترحها عوديد ينون التي تستهدف تفكيك الدول المستقلة القائمة، إلى دويلات ضعيفة اقرب إلى المحميات.
وفي هذا الإطار كتبت ديانا جونستون: "في التسعينيات لم يعد المجتمع الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة مهتما ببناء الأمم، بل أن تدمير الدول كان هو الشكل المناسب للتوافق مع متطلبات العولمة الاقتصادية". ولتحقيق هذه الأهداف في يوغسلافيا كما في العراق، تحالفت واشنطن مع "مفككي الدول والمليشيات الطائفية"، تحت نظرية ترى: إن التوترات العرقية والطائفية سوف تتصاعد بصورة تلقائية عند غياب الدولة وانعدام النظام وسلطة القانون. ولهذا السبب عمدت الإدارة الأميركية إلى ترك العراق ليتحلل إلى مكوناته العرقية والدينية-الطائفية، تحت مظلة نظرية الفوضى الخلاقة.
لقد نجحت المقاومة العراقية، التي يشكل الجيش الوطني العراقي 95% من تنظيماتها، في شن 200 عملية عسكرية يومياٌ، أنزلت الخسائر الفادحة بقوات الاحتلال، حيث تشير إحصائية صدرت بداية عام 2008، عن جمعية قدماء المحاربين الأميركية، إلى أن عدد الإصابات في الجيش الأميركي بلغت 224 ألف إصابة، وبافتراض أن واحدا من كل سبعة من هؤلاء هو بعداد القتلى، فإن عدد القتلى يكون 33415 قتيلا، كما وصل عدد المعاقين إلى 100 ألف إلى جانب 12 ألف منتحر وعدد كبير من الهاربين من جحيم الحرب. هذا إضافة إلى الخسائر الاقتصادية والكلفة الحقيقية للحرب على العراق التي بلغت ثلاثة تريليون دولار، والتي دفعت نحو الأزمة المالية والاقتصادية العالمية وعجلت بانهيار النظام الرأسمالي العالمي، حيث يطرح قادة الدول الصناعية مشاريع وأفكار لبناء نظام اقتصادي دولي جديد، يضمن تجديد قواعد وآليات الهيمنة الاقتصادية الرأسمالية على عالم الجنوب.
وبعد تنامي قدرة المقاومة العراقية في مواجهة قوات الاحتلال، بدأ الإعلام الأميركي والحكومة المشكلة وفق قوانين بول بريمر، بشن حملة تخويف وترهيب منظمة لإثارة النعرات والعصبيات الطائفية، عبر تفجيرات منسقة مشبوهة قتلت 143 من المواطنين الأبرياء في كربلاء وبغداد والمدن العراقية، ووجهت الاتهامات للمقاومة لتشويه أهدافها ومقاصدها النبيلة في الكفاح من أجل طرد قوات الاحتلال الأجنبي من العراق، تمهيدا لتطبيق خطة للبنتاغون لاستخدام فرق الموت وتورط ميليشيات وزارة الداخلية العراقية في توسيع ظاهرة انتشار الجثث المجهولة الهوية ضحايا القتل الطائفي المنظم، تحت ذريعة القضاء على المقاومة العراقية، مما أدى إلى قتل مليونين من المواطنين العراقيين ضحايا الحرب والعنف الطائفي المنظم إلى جانب مليون أرملة وأربعة ملايين من الأطفال الأيتام المشردين.
لكن تطور الأحداث أكد مجموعة من الحقائق المغايرة تماما عن الرواية الأميركية، فطبقا لتقرير من مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية في واشنطن، فإن 75% من هجمات المقاومة كانت موجهة إلى القوات الأجنبية، وهي تتجاوز بكثير أي هجمات أخرى في المسح الذي رتبت فيه الهجمات حسب العدد ونوع الهدف وأعداد القتلى والجرحى. وفي تناقض شديد عن الصورة التي يقدمها الإعلام الغربي والمحلي المضلل، فإن الأهداف المدنية كانت تشكل 4.1% من الهجمات فقط. كما ينمو اليوم في العراق الوعي بأهمية الوحدة الوطنية والقومية لمواجهة إستراتيجية التفكيك، ولهذا فشلت محاولات الاحتلال من دفع البلاد نحو صراع طائفي وعرقي شامل. وبينما تتصاعد المقاومة الوطنية المسلحة في صراعها ضد الولايات المتحدة فهي أيضا تواجه المنظمات الإرهابية الوافدة أو المدعومة من الخارج لتنفيذ أجندات إقليمية ودولية خطيرة. والى جانب المقاومة الوطنية العراقية المسلحة، ينخرط الصحفيين والمفكرين والنقابات والعراقيين من مختلف الطبقات والأديان والطوائف، لمواجهة قوات الاحتلال الأجنبية والشركات الاحتكارية.
إن مقاومة الشعب العراقي للاحتلال هي حق مشروع أقره القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة والاتفاقيات والأعراف الدولية، ومنها اتفاقيات جنيف، وبالرغم من المحاولات اليائسة للإدارة الأميركية من تأسيس مؤسسات شكلية للسلطة، والمحاولات الفاشلة من الحملات الانتخابية المبنية على التزوير والرشوة والتسلط لمجموعة من الأحزاب العنصرية والطائفية التي جاءت تحت حماية الدبابات الأميركية، وقامت بنهب أكثر من 200 مليار دولار من موارد النفط وثروات العراق، هذه الأحزاب والمليشيات الدموية، لا يمكن أن تكون حريصة على ديمقراطية واستقلال العراق وسيادته. وتذهب اليوم أكثر من 50% من أموال الضرائب التي يدفعها المواطن الأميركي لتغطية ميزانية الدفاع، لاحتلال العديد من البلدان حيث ينتهك القانون الدولي والشرعية الدولية وتنتشر جرائم الحرب وإبادة الجنس، وما تزال شركات الصناعة العسكرية التي تقوم بتطوير أسلحة الإبادة مثل اليورانيوم المنضب والأسلحة النووية التكتيكية والأسلحة فوق التقليدية والتي تشكل 54% من الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة الأميركية، تمثل تهديدا خطيراٌ للأمن والسلم في العالم، والحرب مازالت مستمرة.
د. غازي فيصل حسين، استاذ في أكاديمية الدراسات العليا، المقال مأخوذ نقلا عن صحيفة الشمس، طرابلس، 20/04/2010
د. غازي فيصل حسين