في الذكرى الثانية عشرة لرحيل الأمير الدمشقي نزار قباني ... أزرار من الياسمين على روحه وشعره ... محمد أمين
2010-04-29
لو كان نزار قباني ينتمي لأمة أخرى لأعلنت نفسها أميرة متوّجة على ما عداها من أمم الأرض.
إنه يستحق تماثيل ذهبية في العقول والأذهان لا في شوارع العواصم العربية التي أصبحت تحتفي بالمُغنيات إذ لا وقت للشعر والشعراء.
صدق المرحوم الطيب صالح عندما قال: عالم عربي ليس فيه نزار قباني، أمر يصعب تصوره.. أعطى الناس عيوناً جديدة ينظرون بها وأعطى اللغة نضارة كادت تُنسى.
لم يكن الطيب صالح هو الوحيد الذي لم يتخيل العالم دون نزار قباني فقد أشعل أبو توفيق قناديل الحرية والأمل والشعر في نفوس الملايين، لقد بعث العشق الذي كان يذوي لقد كان استشهادياً في رفضه للركود.
أعود لأقرأ ما كتبه نزار قباني على مدى سنوات في جريدة الحياة التي كانت لندنية وقد جمعت أغلبه فقد كنت وما زلت نزاريّ الهوى لدرجة الوله الذي لا حدود له وفي كل مرة أعود فيها لهذه الأوراق أكتشف شيئاً جديداً في شاعر الشام فهو كان رحمه الله أقرب ما يكون إلى الأنبياء والقديسين. أقرأ قصيدته الشهيرة التي أيقظت النائم وأشعلت حرائق على صفحات الصحف العربية حيناً من الزمن وأقصد قصيدة (متى يعلنون وفاة العرب) وقد كتبها في عام 1994 فأتساءل بيني وبين نفسي: لو امتد العمر به إلى 9 نيسان 2003 ماذا كان يفعل وقد سقطت عاصمة الخلافة وجمجمة العرب بأيدي رعاة البقر والغرباء من كل مكان شرقه وغربه.
لقد امتلك نزار قباني جرأة السؤال في عام 1994 فمن يملك الجرأة ليجيبه ونحن في عام 2010 ليعلن بالفعل وفاة العرب.
يا سيد الياسمين لقد أصبحت العروبة «معروضة في مزاد الأثاث القديم» وما زال العرب كما تركتهم «يرعدون ولا يمطرون» وما زال «تعبير الخليج الثائر والمحيط الهادر تعبيرين عجوزين ماتا بالسكتة القلبية» وما زلنا نعيش «عصر التأتأة بجميع أشكالها.. تأتأة قومية.. تأتأة.. تطبيعية.. تأتأة ثقافية.. وتأتأة شعرية» لقد صار الوطن العربي «وطناً أخرس لا يفتح فمه.. إلا ليأكل.. ويشرب ويبتلع الإهانات».
ما كنت ستقول لو عشت لترى العرب وقد أصبحوا كالصفر الذي اخترعوه «نحن في غيبوبة قومية ما استلمنا منذ أيام الفتوحات بريداً».
إذا كانت مجزرة قانا في عام 1996 جعلتك تنزف دموعاً وأسى فيكتب شعراً فبكيت لو علمت أن في كل يوم يموت في وطن حبيبتك (بلقيس) أضعاف الذين استشهدوا في (قانا)، ما كنت تقول لو علمت أن العراق كله قد تحوّل إلى حريق ولم يعد للشعر فيه مكان.
لقد عاد النتن ياهو من جديد يا أمير الحب لقد عاد لكي «يبيعنا الهواء ويأخذ الأرض والتاريخ والإنسان».
لم يتغير أي شيء يا أبا توفيق فالحال هو الحال وما كتبته قبل 15 عاماً عن النتن ياهو ما زال صالحاً إلى يومنا هذا «أي فرصة نعطيها لهذا الرجل، فهو مكشوف على الجهات الأربع.. وأفكاره الفاشستية منشورة ومعلنة ومعروضة على عربات الخضار.. فهو لا يريد أن ينزل عن هضبة الجولان لأنها ملك أبيه ولا يريد أن يرفع يده عن الضفة الغربية ولا يعترف بقيام دولة فلسطينية.. ولا يريد التوقف عن بناء المستوطنات ولا يسمح بعودة النازحين الفلسطينيين إلى فلسطين ولا بإرجاع سنتمتر واحد من مدينة القدس باعتبارها عاصمة إسرائيل إلى الأبد»، لم يتغيّر الحال يا سيدي «فالأغنام الإسرائيلية هي التي كانت المدللة والأثيرة وهي التي كانت ترعى الحشيش في حدائق البيت الأبيض أما الأغنام العربية فقدرها أن تذبح على أقدام المصالح العالمية..».
ورغم ذلك ما زالت «إسرائيل» يا سيد الشعر «مسكونة بالرعب والكوابيس» وما زالت «دولة لم تنمْ منذ تأسيسها في 15 أيار 1948» وصدقت يا سيدي «ما أشقى الدول التي لا تنام». نم قرير العين يا سيدي فقد بلغنا ذروة الانحطاط الفكري والمعرفي ومن ثم هناك أمل في التراجع فليس بعد الذروة شيء.
أردت يا سيدي أن تتحرر المرأة العربية من العبودية ولم تكن تريد لها أن تتحرر من الأخلاق والفضيلة وقد ناضلت خمسين عاماً من أجل ذلك «إذا كانت الحضارة أنثى.. الثقافة أنثى.. اللغة أنثى، والقصيدة أنثى.. والشجرة أنثى.. والثورة أنثى.. فلماذا ينفرد الرجال بالسلطة».
لقد دافعت عن المرأة «كما تدافع الغابة عن أشجارها».
ولكن الحال قد تبدل بعد غيابك حيث لم تعد «بخير دار فاطمة» ولم تعد المرأة «هي طبقة الملح التي تحفظ أجسادنا من العفن» لقد تغيرت «ميسون» حيث لم يعد للحب قيمة في زمن الإنترنت ورسائل الـ sms والمسلسلات التركية، لقد أصبحت حياتنا (بلاستيك) ومشاعرنا جليداً، لم يعد في صدورنا قلوب تصفق ولم يعد في وجوهنا عيون تغني، لا وقت لدينا للشعر ولم نعد نتبلل بماء العشق وإذا قلت لإحداهن: إني أحبك كي أبقى على صلة بالله بالأرض بالتاريخ بالوطن»، اعتبرتك مجنوناً وغبياً.
لقد «رحل القطار
ونحن مازلنا على مقهى المحطة جالسين
ضاعت تذاكرنا
ولا زلنا على أرض المحطة تائهين
لصقت معاطفنا على أجسادنا
وتبعثرت مدن الحنين».
لقد كنت يا سيدي «آخر الشعر في دفتر البرتقال».
لقد فقد العالم بموتك شيئاً من بريقه وتقلصت مساحة الإنسانية، ولكن الأمل لم ينقطع فقد أعلنت قبل رحيلك «أن للشعر رباً يحميه».