العربي التقدمي _ العروبة والتنوع المجتمعي

Bookmark and Share العروبة والتنوع المجتمعي 

مشاهدة:129تعليقات:0



العروبة والتنوع المجتمعي

د. رغيد الصلح | ا

 5/21/2010

 

تهدف العروبة إلى إقامة الكيان العربي الكبير. ولقد اختلف العروبيون عبر مراحل التاريخ العربي الحديث، ومن بلد عربي إلى آخر، حول تفسير طبيعة هذا الكيان عما إذا كان دولة مركزية واحدة، أو دولة فيدرالية أو كيان كونفدرالي أو منظومة إقليمية، وقد أضاف إليها البعض من خارج التيار العروبي فكرة المؤتمر الدائم أو غير الدائم للدول العربية. إلا أنه مهما اختلفت المشاريع وتعددت مستوياتها، فإنها تنطلق من الاقتناع بخصوصية المنطقة العربية وبالحاجة إلى التطوير الدائم والمستمر للعلاقات بين دولها ومجتمعاتها.

اصطدمت هذه المشاريع بمشاريع ونظريات أخرى اعتنقتها بعض الفئات المجتمعية في المنطقة العربية. وتباينت هذه المشاريع الأخيرة بين دولة عربية وأخرى، كذلك اختلفت بحسب المراحل الزمنية والظروف السياسية والتاريخية. ففي بعض المراحل لم تبرز المشاريع البديلة عن المشاريع العروبية لأن الأجواء السياسية والتاريخية لم تكن تسمح بطرحها والحديث عنها جهاراً، ولكن هذه الأجواء كانت تتبدل مما يشجع حاملي هذه المشاريع على مناهضة المشاريع العروبية، وطرح مشاريعهم البديلة معاً. هذا الحال الأخير يطبع المرحلة العربية الراهنة، حيث أخذت بعض المكونات المجتمعية في المنطقة العربية تقاوم بحدة المشاريع العروبية الأفق، وتسعى إلى تحقيق مشاريعها البديلة. ولقد كان هذا الحال موضوعاً من المواضيع المهمة التي تطرق إليها المؤتمر الذي عقد في دمشق بعنوان “العروبة والمستقبل” بين 15 و20 مايو/ أيار الحالي برعاية الرئيس السوري الدكتور بشار الأسد، وبدعوة من نائب الرئيس الدكتورة نجاح العطار. وقد ضم المؤتمر فريقاً من أهل الفكر والثقافة العرب، نساء ورجالاً، ومن مختلف الدول والاتجاهات الفكرية والسياسية العربية.

واستعرضت خلال الجلسة المخصصة لمحور العروبة والتنوع الاثني مشاريع الاندماج الوطني بشتى ألوانها وأنواعها. فهي تهدف إلى توطيد وحدة الكيانات السياسية والمجتمعات التي تضمها.

وتتسم مسألة الاندماج الوطني ببعض التعقيد. ويمكن التمييز بين مدارس ونظرات مختلفة في مسألة الاندماج الوطني. فهناك الاندماج القومي الذي يتصل بتوحيد أبناء القومية الواحدة الموزعين على عدة دول، كما هو الأمر عند معتنقي فكرة القومية العربية، أو فكرة القومية الكردية. وهناك الاندماجُ الوطنيُ الذي يضم أبناء الدولة التي قد تضم قوميات عدة كما هو الأمر في الدولة السويسرية التي تضم السويسريين الألمان والايطاليين والفرنسيين، أو بريطانيا التي تضم الإيرلنديين في إيرلندا الشمالية والإنجليز. ويتطابق الاندماجان القومي والوطني إذا كنا نتحدث عن دولة تضم جماعة قومية واحدة فحسب كما هو الأمر في المثال الياباني، وهو مثال بات نادر الوجود. أخيراً لا آخراً، هناك الاندماج الإقليمي إذا كنا نتحدث عن تكتل أو كيان إقليمي يضم عدة قوميات وعدة دول قومية كما هو الأمر في الاتحاد الأوروبي أو رابطة دول جنوب شرقي آسيا (آسيان). فضلاً عن ذلك فإن للاندماج الوطني جوانب متعددة سياسية وثقافية واقتصادية واجتماعية.

ويبرز الطابع المركب لمسألة الاندماج الوطني في المنطقة العربية بصورة خاصة. فقد يكون الاندماج الوطني مَعبراً إلى الاندماج القومي، ولكن هناك من يعتقد، سواء كانوا من القوميين أو الوطنيين العرب، إنه يوجد تناقض رئيسي بين الاثنين. وفي ذهن الذين يؤكدون هذا التناقض صورة اللعبة الصفرية بين الدولة القطرية/ الوطنية العربية القائمة، من جهة، وبين الدولة العربية القومية المرتجاة، من جهة أخرى. وترسخت هذه اللعبة الصفرية في أذهان بعض مواطني الدول العربية الذين ينتمون إلى فئات مجتمعية ترفض العروبة وتعتبر نفسها غير عربية أصلاً. وحيث إن هذه الفئات شكلت أقليات وازنة في بعض المجتمعات والدول العربية، فإنها شكلت سنداً اتكأت عليه الدولة العربية القطرية/ الوطنية في مقاومتها لدعوات الاندماج أو حتى التعاون أحياناً بين الدول العربية.

ولقد تمت في السنوات الأخيرة المصالحة بين الدولتين، أي بين القطري والقومي، خاصة بعد تراجع الفكرة العربية، ولكنها لا تزال مصالحة هشة ومبتسرة ومحكومة بأفق سياسي محدود، وتتنظر المزيد من الجهد الفكري والسياسي حتى تنضج أصولها وتبعاتها كما ألمحنا أعلاه. وحتى تتم هذه المصالحة فإنه من الأفضل أن نفتش عن معنى للاندماج الوطني أكثر تطابقاً مع التجربة السياسية العربية ومع متطلبات تطور الفكرة العربية، وأخيراً لا آخراً، مع الاتجاهات الحديثة في دراسة فكرة الاندماج الوطني.

كانت هذه الدراسات تركز في السابق، خاصة في النصف الأول من القرن العشرين، على الدول ذات القومية الواحدة، أو بالأحرى القومية الطاغية التي تمكنت من تذويب وإلحاق الجماعات القومية والإثنية الأخرى. بيد أن نسبة متزايدة من الدراسات الحديثة اتجهت، خاصة بعد انتهاء الحرب الباردة وتفكك بعض الدول الكبرى، إلى دراسة مسألة الاندماج في إطار تعددي. ويشمل هذا الإطار التعددي نوعين من الاندماج: الأول اندماج القوميات المتعددة في الكيان السياسي الواحد، الثاني، اندماج القومية الواحدة ذات الأبعاد المتنوعة في كيانات سياسية متعددة. فأين وقف العروبيون من هذه الاندماجات؟

تقلبت الحركات والجماعات العروبية في مقاربتها مسألة الاندماج بين تبني فكرة الدولة المتعددة القوميات، وفكرة الدولة الواحدة القومية.

المدرسة الأولى تبنت نهج التعددية المجتمعية، ولقد تجسد هذا النهج في ثلاثة تجليات أساسية:

أولاً، الإقرار بوجود التنوع الديني والإثني في المنطقة العربية.

ثانياً، الاعتقاد بأن ثمة علاقة قوية بين هذا التنوع، من جهة، وبين تحقيق الأهداف الوطنية، من جهة أخرى. ثالثاً، إطلاق بعض المقترحات والمشاريع التي تهدف إلى إبعاد التنوع الديني والإثني عن الطابع النزاعي، وإيجاد حلول للمشاكل التي تحيط بمسألة الأقليات.

 

اكتب تعليق طباعة بواسطة :Admin




بإمكانك إزالة التعليقات غير اللائقة أو البعيدة عن موضوع الخبر عن طريق الضغط على أيقونة (ابلغ عن تعليق غير لائق) وسيتم حذف التعليق أتوماتيكيا إذا أبلغ عنه عدد معين من الزوار


متواجد حاليا 1 زائر
[0 ] عدد الاعضاء
[53] عدد المواضيع
[0] عدد الردود
 بحث



استضافة وتصميم بابل للحاسبات والاتصالات

الرئيسية

تاريخ العرب

بيانات

بحوث ودراسات

المقالات

الأخبار

جميع الحقوق محفوظة -العربي التقدمي